ابن الجوزي

53

أخبار الظراف والمتماجنين

سفيان « 1 » مزاحا ولقد كنت أجيء إليه مع القوم فأتأخر خلفهم مخافة أن يحيرني مزاحه . قال سفيان بن عيينة « 2 » : أتينا مرة مسعر بن كدام « 3 » فوجدناه يصلي فأطال الصلاة جدا ثم التفت إلينا متبسما ، فأنشدنا « 4 » : ألا تلك عزة قد أقبلت * ترفع نحوي طرفا غضيضا تقول : مرضنا فما عدتنا * وكيف يعود مريض مريضا قال ، فقلت : رحمك اللّه بعد هذه الصلاة هذا ! قال : نعم مرة هكذا ، ومرة هكذا . قلت : وقد بلغني عن جماعة من الفطناء والظرفاء حكايات تدل على قوة فهومهم فسماعها يشحذ الذهن ، وينبه الفهم فأحببت أن أذكر منها طرفا . وبلغني عن جماعة من المجون ما يتفرج فيه ، ومعنى المجون صرف اللفظ عن حقيقته إلى معنى آخر ، وذلك يدل على قوة الفطنة ، فكتبت من ذلك في هذا الكتاب طرفا ، وقد قسمته ثلاثة أبواب : الباب الأول : فيما ذكر عن الرجال .

--> ( 1 ) سفيان : إمّا أن يكون سفيان بن عوف المتوفى سنة 52 ه ، أو سفيان بن وهب الخولاني الصحابي المتوفى سنة 82 ه . ( 2 ) سفيان بن عيينة : أبو محمد ، محدث الحرم المكي ، من الموالي . كان حافظا ثقة ، واسع العلم كبير القدر . قال الشافعي : لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز . كان أعور ، وحجّ سبعين سنة . توفي سنة 198 ه . ( راجع ترجمته في تذكرة الحفاظ 1 : 242 ؛ والرسالة المستطرفة : 31 ؛ وصفة الصفوة 2 : 130 ؛ وابن خلكان 1 : 210 ؛ وميزان الاعتدال 1 : 397 ) . ( 3 ) مسعر بن كدام : من ثقات أهل الحديث . كوفي . كان يقال له « المصحف » لعظم الثقة بما يرويه . وكان مرجئا ، وعنده نحو ألف حديث ، وخرّج له الستّة . توفي بمكة سنة 152 ه . ( راجع ترجمته في تهذيب التهذيب 10 : 113 ؛ وحلية الأولياء 7 : 209 ؛ والمعارف : 211 ؛ وذيل المذيل : 104 ؛ والكواكب الدرية : 168 ؛ وتذهيب الكمال ، ص 320 ) . ( 4 ) البيتان للشاعر كثّير عزّة .